مركز الثقافة والمعارف القرآنية
122
علوم القرآن عند المفسرين
ثم إن الهداية الدينية لا تختص بطائفة دون طائفة من الناس بل تعم جميع الطوائف وتشمل عامة الطبقات ، وهو ظاهر . وهذا المعنى أعني اختلاف الأفهام وعموم أمر الهداية مع ما عرفت من وجود التأويل للقرآن هو الموجب أن تساق البيانات مساق الأمثال ، وهو أن يتخذ ما يعرفه الانسان ويعهده ذهنه من المعاني فيبين به ما لا يعرفه لمناسبة ما بينهما ، نظير توزين المتاع بالمثاقيل ولا مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو حجم أو نوع إلا ما بينهما من المناسبة وزنا . والآيات القرآنية المذكورة سابقا كقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 1 » ، وما يشابهه من الآيات وإن بينت هذا الامر بطريق الإشارة والكناية ، لكن القرآن لم يكتف بذلك دون أن بينه بما ضربه مثلا في أمر الحق والباطل ، فقال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ « 2 » ، فبين أن حكم المثل جار في أفعاله تعالى كما هو جار في أقواله ، ففعله تعالى كقوله الحق إنما قصد منهما الحق الذي يحويانه ويصاحب كلا منهما أمور غير مقصودة ، ولا نافعة يعلوهما ويربوهما لكنها ستزول وتبطل ، ويبقى الحق الذي ينفع الناس ، وإنما يزول ويزهق بحق آخر هو مثله ، وهذا كالآية المتشابهة تتضمن من المعنى حقا مقصودا ، ويصاحبه ويعلو عليه بالاستباق إلى الذهن معنى آخر باطل غير مقصود ، لكنه سيزول بحق آخر يظهر الحق الأول على الباطل الذي كان يعلوه ، ليحق الحق بكلماته ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ، والكلام في انطباق هذا المثل على أفعاله الخارجية المتقررة في عالم الكون كالكلام في أقواله عز من قائل . وبالجملة : المتحصل من الآية الشريفة : أن المعارف الحقة الإلهية كالماء الذي أنزله اللّه تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب ، من غير تقييد بكمية ولا كيفية ، ثم إنها كالسيل السائل في الأودية تتقدر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق ، وهذه الأقدار
--> ( 1 ) سورة الزخرف : الآية 3 و 4 . ( 2 ) سورة الرعد : الآية 17 .